صفي الرحمان مباركفوري

101

الرحيق المختوم

آخر وفد قريش إلى أبي طالب خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الشعب ، وجعل يعمل على شاكلته ، وقريش وإن كانوا قد تركوا القطيعة ، لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين ، والصد عن سبيل اللّه ، أما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابن أخيه ، لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنه ، وكانت الآلام والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات - لا سيما حصار الشعب - قد وهنت وضعفت مفاصله ، وكسرت صلبه ، فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معدودات ، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به - وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه ، فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى اللّه عليه وسلم بين يديه ، ويعطوا بعض ما لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك ، فقاموا بوفادة هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب . قال ابن إسحاق وغيره : لما اشتكى أبو طالب ، وبلغ قريشا ثقله ، قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب ، فليأخذ على ابن أخيه ، وليعطه منا ، واللّه ما نأمن أن يبتزونا « 1 » أمرنا ، وفي لفظ : فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ ، فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب ، يقولون تركوه ؛ حتى إذا مات عمه تناولوه . مشوا إلى أبي طالب فكلموه ، وهم أشراف قومه ؛ عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في رجال من أشرافهم - وهم خمس وعشرون تقريبا - فقالوا : يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك ما نرى ، وتخوفنا عليك وقد علمت الذين بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه ، فخذ له منا ، وخذ لنا منه ، ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا ، وندعه ودينه ، فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه ، فقال : يا ابن أخي ، هؤلاء أشراف قومك ، قد اجتمعوا لك ، ليعطوك ، وليأخذوا منك ، ثم أخبره

--> ( 1 ) ابتزه أمره : سلبه إياه وغلبه عليه .